الانفراج الدولي[1] في الشرق الأوسط – خطوط
عامة لصورته وتداعياته على إسرائيل
[ترجمة لمقال منشور بتاريخ 8 سبتمبر 2024، على موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي]
استمرار تخفيف التوتر وتعميق التعاون بين دول المنطقة - في الوقت
الذي تزيد فيه الحرب في إسرائيل من عزلتها. كيف ينبغي لها أن تتصرف لتخرج من هذا الوضع
المعقد؟
بعد نحو خمس سنوات، منذ أن بدأت تتضح اتجاهات "الانفراج"
في الشرق الأوسط، فإن نجاحها قد ساهم في عزلة إسرائيل في المنطقة، الذي تزامن مع
الحرب بين إسرائيل وحماس. وفي هذا المقال، سنقوم بتقييم تداعيات ذلك على الوضع
الاستراتيجي للدول العربية، مؤكدين على أهمية دفع التطبيع بين إسرائيل وبينها،
وخاصة مع المملكة العربية السعودية، من أجل كبح جهود إيران وحلفائها قدر الإمكان
لتعزيز علاقاتهم معها بطريقة قد تعرض إسرائيل للخطر.
شهدت خارطة التسويات في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تغييرات
ملحوظة؛ اتخذت خلالها دول محورية، عربية أو إيران وتركيا، خطوات نحو تخفيف التوتر
فيما بينها، بل تجاوز بعضها حد تخفيف التوتر إلى حد تجديد العلاقات الدبلوماسية،
وتعميق العلاقات الاقتصادية، وفي عدد من الحالات وصل الأمر إلى تعاون أمني. كل
ذلك، على خلفية رغبة الأطراف في إنهاء الصراعات التي امتدت إلى أكثر من عقد،
واختيار الحوار والتعاون. ولا يتعلق الأمر بقرارات ذات قيم أخلاقية أو مصالحة
عميقة على أساس مذهبي أو ديني، على سبيل المثال بين السنة والشيعة، بل باعتبارات
نفعية تهدف، في نظرها، إلى تحسين وضعها على المدى البعيد.
دوافع الانفراج الرئيسية
· قلق تجاه الدعم الأمريكي: إن الدعم الأمني الأمريكي لحلفائها التقليديين ليثير قلق الدول
العربية، فيدفعها إلى محاولة تحسين وضعها بنفسها. ويُعد تحسين العلاقات بين دول
الخليج وإيران جزءًا من استراتيجية "تَحَوُّط المخاطر"[2] المعتادة لدى دول الخليج. وينطبق الأمر ذاته على الحيز الذي تسمح
به هذه الدول لكل من الصين وروسيا، اللتين تسعيان بدورهما لزيادة نفوذهما في
المنطقة على حساب الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، كانت الصين في عام 2023
الوسيط بين المملكة العربية السعودية وإيران لإبرام اتفاق استئناف العلاقات، بينما
توسطت روسيا بين المملكة العربية السعودية وسوريا.
· تحويل الاهتمام إلى الشؤون الداخلية: لدى الدول العربية مصلحة كبيرة في تهدئة الصراعات الخارجية؛ لصب
اهتمامهم إلى معالجة الشؤون الداخلية الملحة، على أفضل وجه. فتسعى الدول إلى
الانتعاش الاقتصادي، سواء أكانت دولًا فقيرة أم تمر بأزمة اقتصادية. أما عن منتجي
النفط الأثرياء فهناك رغبة واضحة في إنجاز مشروعات مهمة لاستقرارها وازدهارها على
المدى الطويل، بعضها طموح جدًا.
· تعاظم قوة إيران ووكلائها في
المنطقة: يدفع التهديدُ الإيراني دول الجوار
إلى التقرب منها بشكل محسوب وتجنب تصعيد التوتر معها؛ إدراكًا لقوتها ولوضعها
النووي، واعترافًا بأنهم قد يكونون استنفدوا التدابير الاقتصادية الرامية إلى الحد
منها. وبعض هذه الدول، لاسيما دول الخليج، تخشى أيضًا من تصاعد التوتر في الصراع
بين إيران وإسرائيل، فتحسّن من علاقاتها مع إيران؛ لتُبعد نفسها قدر الإمكان عن أي
مواجهة إقليمية قد تضر بها.
الانفراج في المنطقة العربية
جاءت نقطة الانطلاق نحو الانفراج في أواخر عام 2018 وأوائل عام
2019، عندما انتهى الحوار الإماراتي مع نظام الأسد إلى إعادة فتح سفارتها في دمشق،
وعمل على تسريع الحوار بين نظام الأسد ودول عربية رئيسية، على رأسها المملكة
العربية السعودية. ووصلت عملية عودة سوريا إلى أحضان العالم العربي إلى ذروتها
الحالية بعودتها إلى الجامعة العربية في عام 2023 في قمة الرياض، بمشاركة الأسد.
وقد استأنفت غالبية الدول العربية، التي عمل بعضها على إسقاط نظام الأسد، العلاقات
الدبلوماسية معه، بل بدأت في تقديم المساعدة الاقتصادية له. الاستثناء البارز في
هذا السياق هو قطر، التي تصر على إزاحة الأسد كشرط لاستئناف العلاقات بين البلدين،
بحجة جرائمه ضد الإنسانية.
من ناحية أخرى، فقد استأنفت عدة دول عربية رئيسية علاقاتها مع قطر
أيضًا، بعد مفاوضات مطولة بقيادة المملكة العربية السعودية، وبعد حصار سياسي
واقتصادي فُرض على قطر منذ عام 2017. وقد أدى "اتفاق العلا" في يناير
2021 إلى استئناف العلاقات وعودتها إلى مسارها الصحيح. بل إن العلاقات بين قطر
ومصر والمملكة العربية السعودية تحسنت، مقارَنةً بالسنوات التي سبقت الأزمة. أما
العلاقات بين قطر والبحرين، فتتحسن تدريجيًا، ولكن ببطء. ففي يوليو 2024، أي بعد
أربع سنوات ونصف من توقيع اتفاق المصالحة، اتفقت البحرين وقطر على إعادة سفرائهما
إلى الدوحة والمنامة.
وثَمّ تطور آخر يتعلق بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه في أبريل
2022، بين المملكة العربية السعودية والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران،
الذين يسيطرون على مناطق واسعة في اليمن؛ إذ توصل الطرفان إلى تفاهمات، من بينها
وقف إطلاق النار، المستمر حتى الآن. وكانت الرياض حريصة منذ فترة طويلة على تجاوز
حرب اليمن، التي زعزعت اقتصادها وأمنها وصورتها، وهو هدف تشاركها فيه الولايات
المتحدة أيضًا، التي ترغب في إنهاء الحرب التي أودت بحياة نحو 150,000 ضحية بشكل
مباشر، وضعف هذا العدد بشكل غير مباشر، والتركيز على تنفيذ إصلاحات داخلية
ومشروعات طموحة. إن انضمام الحوثيين إلى الحرب ضد إسرائيل، وإضرارهم بحرية الملاحة
في البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023 لم يؤد إلى استئناف القتال ضد السعوديين، على
الرغم من تهديدات الحوثيين.
بين إيران والدول العربية
وفي منظور إيران، فإن هذه العملية —التي بلغت ذروتها باستئناف
العلاقات مع المملكة العربية السعودية في مارس 2023— هي فرصة لتحسين مكانتها
الإقليمية وتعزيز الردع ضد إسرائيل، خاصة أنها ترى عملية التطبيع بين إسرائيل
والدول العربية وجهود إسرائيل لدفع تحالف إقليمي معادٍ لإيران. ومن وجهة نظر إيران
كذلك، فإن تحسين العلاقات مع العالم العربي يُنظر إليه كإنجاز سياسي وتعبير إضافي
عن تغير ميزان القوى الإقليمي لصالحها واعتراف متزايد بمكانتها من قبل الدول
العربية، بما في ذلك تلك المرتبطة بالمعسكر الغربي، ومن بينها مصر والمملكة
العربية السعودية.
قد يوفر لإيران تحسين العلاقات بينها وبين الدول العربية فرصةً
لتوسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية في المنطقة ضمن إطار "اقتصاد
المعارضة"، الذي يرتكز أساسًا على الاعتماد الذاتي المتزايد وتقليل التبعية
الاقتصادية للغرب، عن طريق تنويع مصادر الدخل وزيادة التجارة مع الأسواق
الإقليمية. ومع ذلك، فلم يؤدِ حتى الآن تحسينُ العلاقات بين إيران وجيرانها إلى
النتائج الاقتصادية المرجوة بالنسبة لإيران، بما في ذلك استئناف العلاقات مع
المملكة العربية السعودية. هذا إلى جانب عدم رغبة المملكة العربية السعودية في الاستثمار
في الاقتصاد الإيراني؛ بسبب العقوبات المفروضة على إيران، والمشاكل الهيكلية التي
يعاني منها الاقتصاد الإيراني.
ربما كان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والمملكة العربية
السعودية في مارس 2023 هو الأهم في إطار الانفراج حتى الآن؛ إذ كانت المنافسة
المذهبية والجيوستراتيجية (التدابير السياسية-الجغرافية) بينهما عاملًا إقليميًا
رئيسيًا في العقود الأخيرة. لذا، فقد بادرت المملكة العربية السعودية، كما ذكرنا
آنفا، بعملية التقارب التي شملت حتى الآن إعادة فتح البعثات الدبلوماسية، علاوة
على تصريحات إيجابية أدلى بها كبار المسؤولين في البلدين، وزيارات تاريخية... لكن
ليس أكثر من ذلك، حيث لا تتوهم الرياض إحداث تغيير في السياسة الإيرانية في
المنطقة. ومع ذلك، فإن الاتفاق بحد ذاته هو إنجاز أدى إلى تخفيف التوتر وتحسين
الوضع العام المستقبلي للمملكة، خاصة على خلفية تزايد التوتر الإقليمي في أعقاب
حرب "السيوف الحديدية" (طوفان الأقصى). ولم يُحدث الدعم الأمريكي الواسع
لإسرائيل، منذ أكتوبر 2023، تغييرًا يُذكر في التصور السعودي حيال مدى موثوقية ذلك
الدعم؛ إذ ترى المملكة أن غياب الرد الأمريكي على الهجوم الذي استهدف أراضيها عام
2019 لا يَزيد الأمر إلا وضوحًا، ويُبرز خصوصية التعامل الأمريكي مع الحالة
الإسرائيلية.
وفي أعقاب الحرب في غزة تزايدت جهود إيران لتحسين علاقاتها مع
العالم العربي. فمنذ 7 أكتوبر 2023، قادت إيران حملة سياسية بهدف إنهاء الحرب في
أقرب وقت ممكن؛ للحفاظ قدر الإمكان على قدرات حماس الإدارية والعسكرية. ومنذ
اندلاع الحرب، أبرز مسؤولون إيرانيون التقارير المتعلقة بتجميد اتصالات التطبيع
بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وقدموها كدليل إضافي على نجاح حماس وضعف
إسرائيل. ومن منظور إيران، فإن الحرب في غزة توفر دليلًا إضافيًا على عدم جدوى
التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل. جاء هذا وفقًا لتصريحات المرشد علي خامنئي،
الذي أعلن قبل أيام قليلة من هجوم حماس أن تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني هو
بمثابة "المراهنة على حصان خاسر". إن أحد مظاهر سعي إيران المستمر
لتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة نجده في كلام المتحدث باسم وزارة الخارجية
الإيرانية ناصر الكنعاني، الذي أعلن في أغسطس/آب 2024 أن إيران تسعى جاهدة لرفع
مستوى علاقاتها مع مصر، وأن إيران والبحرين اتفقتا على العمل على حل خلافاتهما
وتجديد العلاقات بينهما. وهذا يشير إلى أن الحكومة الجديدة في طهران، بقيادة مسعود
بِزِشْكِيان، ملتزمة بمواصلة اتجاه تحسين العلاقات، كما كان ذلك واضحا خلال فترة
ولاية حكومة الرئيس السابق، إبراهيم رئيسي.
بين تركيا والدول العربية
تسببت طموحات تركيا الإقليمية المتزايدة ودعمها لقطر خلال سنوات
الحصار، وبشكل عام لحركة الإخوان المسلمين، في وصول التوتر بينها وبين بعض دول
الخليج ومصر إلى ذروته بين عامي 2017 و2021. لكن بعد ذلك تحسنت العلاقات بين
الطرفين وأصبحت زيارات كبار المسؤولين متكررة. وكانت تركيا، التي تعرضت لأزمة
اقتصادية، بحاجة إلى المساعدة والاستثمارات في أراضيها، ولذلك أبرمت في مارس 2024
اتفاقا على بدء الاتصالات الرسمية بينها وبين ودول مجلس التعاون الخليجي، بشأن
تجارة حرة بين الطرفين. ومن جهة دول الخليج العربي، فإن صناعة الأسلحة التركية
تُعَد جذابة، لذلك فقد وقعت المملكة العربية السعودية في عام 2024 اتفاقا لشراء
طائرات مسيرة تركية، وهو أكبر اتفاق تصدير دفاعي في تاريخ تركيا، يشمل نقل
التكنولوجيا والتصنيع إلى المملكة العربية السعودية، جزئيًّا على الأقل. كما أن
الاهتمام المصري بالطائرات المسيرة التركية يمكن أن يفسر جزءًا من دوافع التقارب
بين تركيا ومصر منذ عام 2022.
على الرغم من أن الفجوات بين تركيا وسوريا لا تزال كبيرة، فإن هناك
جهودًا ملحوظة لتحقيق تقارب في العلاقات بين البلدين، بوساطة روسية من بين أمور
أخرى. حتى أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قال صراحة في أوائل يوليو 2024 إنه
من المتوقع قريبًا توجيه دعوة للحوار إلى الرئيس السوري، بشار الأسد. أما عن نقاط
الخلاف الرئيسية فهي مناطق السيطرة التركية في شمال سوريا والمطالبة السورية
بانسحاب القوات، وكذلك المطالبة التركية بعودة ملايين اللاجئين السوريين من
أراضيها. ومع ذلك، فقد نفى الأسد، في خطاب أمام مجلس الشعب السوري في 25 أغسطس، أن
يكون هناك طلب بانسحاب تركي كشرط لإجراء المفاوضات بحد ذاتها. وإذا نجح الطرفان في
التغلب على العقبات القائمة في طريق استئناف العلاقات، فإن تركيا ستنجح بذلك في
إصلاح علاقاتها مع جميع الدول العربية، التي تضرر بعضها بشدة نتيجة تداعيات الربيع
العربي، التي أدت، ضمن أمور أخرى، إلى حروب أهلية تحولت إلى صراعات على النفوذ
الإقليمي.
الانفراج حتى الآن
من ناحية الدول المشاركة في الانفراج الإقليمي، فقد تحققت أهدافه.
وهذا وضع يحقق مكاسب لها جميعا؛ حيث أخرج فريقا من هذه الدول من عزلتها السياسية،
وحسّن الظروف الاقتصادية لفريق، وحسّن الوضع الأمني لآخرين. وفيما يلي بعض النقاط
البارزة التي تميزه:
· الفوائد العائدة على إسرائيل: مع ما أدت إليه تداعيات حرب السيوف الحديدية (حرب غزة) من أن تصبح
إسرائيل أكثر عزلة في المنطقة، في الفترة الأخيرة على الأقل، فقد استفادت إسرائيل
بشكل غير مباشر من حاجة بعض الدول إلى تحسين وضعها العام المستقبلي، كما في حالة
"ذوبان الجليد" في العلاقات بين إسرائيل وتركيا، عام 2022 حتى أكتوبر
2023.
· تحقيق الهدف من الانفراج: إن الانفراج —كما يدل عليه اسمه— هو تخفيف من حدة التوتر، وهدفه
في نظر الدول المشاركة فيه، التي ظل بعضها خصومًا تحت السطح، ليس التحول إلى
صداقات راسخة، بل تعزيز علاقات طبيعية قدر الإمكان؛ لتحقيق أهداف مشتركة.
· محاولة توسيع النطاق من الانفراج: على الرغم من أهدافه المحدودة، فإن بعض الدول —فيما يبدو— تسعى
إلى الوصول إلى أبعد مما كان متوقعًا منه في البداية، ويزيد من استمرار هذا السعي
رغبة دول أخرى في الانضمام إليه.
· مشاركة فاعلين غير دوليين في
الانفراج: فعلى سبيل المثال تلك الاتصالات
الجارية بين المملكة العربية السعودية وحماس، وبين الإمارات العربية المتحدة وحزب
الله، قبل حرب السيوف الحديدية وأثنائها.
· الحد من تداعيات الحرب: خفف الانفراج من الوضع الاستراتيجي للعديد من الدول العربية ولو
قليلاً، حيث سمح لها بالحفاظ على مسافة آمنة من تداعيات حرب السيوف الحديدية،
لاسيما خطر وصول الحرب إلى أراضيها.
إسرائيل والانفراج
على الرغم من أن إسرائيل ليست جزءًا رئيسيًا من اتجاه الانفراج،
الذي هو في الأساس عملية داخلية إسلامية، فإنها تتأثر بهذه العملية؛ حيث إن تحسن
الوضع الاستراتيجي لدول الخليج نتيجة للاتفاقيات مع إيران والحوثيين، لاسيما
المملكة العربية السعودية، هو تحسن إيجابي من منظور إسرائيل؛ لأنه يقوي الدول
المعتدلة نسبيًا تجاه إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، فإن تحسين العلاقات بين إيران
ودول الخليج ليس في حد ذاته عائقًا أمام تحسين العلاقات بين هذه الدول وبين
إسرائيل، بل يمكن القول إن المداولات الرسمية بين إيران ودول الخليج قد تُكَبِّل
إيران في محاولات الإضرار بهذه الدول، لاسيما أن في هذه المداولات إغراءات لإيران،
منها كسر جدار العزلة السياسية حولها. علاوة على ذلك، فإن الانفراج لا يمنع النقد
من جانب إيران وتركيا بأن الدول العربية على اتصال بإسرائيل، أو أنها لا تتخذ
موقفًا حادًا بما فيه الكفاية ضد إسرائيل في القضية الفلسطينية منذ اندلاع حرب
"السيوف الحديدية"، لكنه يكبح هذا النقد إلى مستوى مقبول بالنسبة للدول
العربية.
في الوقت نفسه تسعى الدول العربية إلى الحفاظ على شراكتها الأمنية
مع الولايات المتحدة، التي تَعُد إسرائيل جزءًا منها. وقد تجلت هذه الشراكة —على
سبيل المثال— في المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وإيران، وبين الحفاظ على العلاقات
الدبلوماسية والاقتصادية مع إيران وتركيا، بل تحسينها. ومع ذلك، فإن ترسيخ إيران
لوضعها في المنطقة النووية وزيادة نفوذها الإقليمي قد يدفع عددًا من الدول
العربية، بدافع الخوف، إلى التقرب منها أكثر، وإلى تبريد علاقاتها مع إسرائيل —على
الأقل على المستوى العلني— بسبب ضغط إيران. إضافة إلى ذلك، فإن الوضع الأمني للدول
العربية كلما تحسن بفضل الانفراج قل احتياجها إلى المساعدة الإسرائيلية.
على مر السنين، رأت إسرائيل أن في تفريق الصفوف في العالم العربي
مزايا لصالحها، وربما لا تزال هذه الرؤية قائمة. ومن هذا المنظور، فإن الانفراج
الإقليمي لا يخدم مصالحها، لاسيما عندما يتعلق الأمر بتحسين العلاقات بين الدول
الإسلامية والعربية بدون تدخل أمريكي، وبالذات عندما يتعلق الأمر بتحسين العلاقات
بين إيران والعالم العربي، حتى لو كانت سطحية. وفوق ذلك، فكلما بقيت إسرائيل خارج
مسار الانفراج الإقليمي واستمرّ اتساع عزلتها، تعزّزت القناعة بأن هذا الانفراج
يُلحق الضرر بمصالحها.
ونظرًا لأن هذا الاتجاه (اتجاه الانفراج) مدفوع باحتياجات عميقة
ومستمرة لدى الدول المحورية، فإنه يوجب اهتمامًا إسرائيليًا، خصوصا لانعكاساته على
استمرار إسرائيل في الاندماج في المنطقة وعلى قدرتها على مواجهة أعدائها. كما يؤكد
الانفراج على أهمية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، مع التركيز على المملكة
العربية السعودية والتسوية مع الفلسطينيين، لكي تكون جزءًا من بديل إقليمي للمحور
الموالي لإيران.
نظرا لأن مبادرة إدارة الرئيس بايدن لتعزيز التطبيع
الإسرائيلي-السعودي لا تزال مطروحة، فإنه يجب التفكير في كيفية انسجامها مع مسار
الانفراج. من ناحية، فقد أثبتت المملكة العربية السعودية —حتى قبل التوقيع على
اتفاق تطبيع مع إسرائيل—أنها شريك أمني مهم وموثوق به لإسرائيل والولايات المتحدة،
على سبيل المثال في 14 أبريل 2024، وأن تعميق العلاقات معها ينطوي على إمكانات
أمنية كبيرة. ومن ناحية أخرى، فإن تعميق التعاون مع إسرائيل —سواء تم توقيع اتفاق
تطبيع أم لا— سيُصعّب على المملكة العربية السعودية الحفاظ على علاقات متوازنة مع
كلٍّ من إيران وإسرائيل، والاستمرار في المناورة بينهما كما كان في السابق.
رابط المقال:
https://www.inss.org.il/he/publication/detante-2024/
[1] مصطلح الانفراج الدولي، أو "ديتِنْت" (Détente)، هو مصطلح فَرنسي يُستخدم
للإشارة إلى تخفيف التوترات بين الدول، وغالبًا ما يرتبط بفترة الحرب الباردة بين
الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. في السياق الشرق أوسطي، يُستخدم لوصف التوجه
نحو تهدئة العلاقات بين دول المنطقة، مثل السعودية وإيران، أو تركيا ومصر، بعد
سنوات من الصراعات
[2] حوُّط المخاطر: مصطلح نشأ في الأساس في السياق المالي، لكنه يُستخدم على
نطاق واسع، وفي مجالات مختلفة (مثل السياسة، الأعمال، وحتى الحياة اليومية)، لوصف
اتخاذ إجراءات وقائية لتقليل التعرض لمخاطر مستقبلية. في السياق السياسي أو
الاستراتيجي يعني تحوط المخاطر: أن تقوم الدولة باتخاذ خطوات أو بناء علاقات (حتى
مع أطراف قد تكون على خلاف معها) لضمان مصالحها وتقليل الأضرار المحتملة في حال
تغير الظروف أو تدهور الأوضاع مع حلفائها التقليديين أو مواجهة تهديدات معينة
© المحتوى من إعداد أحمد الجرواني – يُمنع النسخ دون إذن.
إرسال تعليق